فوزي آل سيف

52

من قصة الديانات والرسل

تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا * يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا * يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا * يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا).[160] إلا إذا قلنا إنّ (إذ وما بعدها) شرح لقوله تعالى (صِدِّيقًا نَبِيًّا) فحينئذ يمكن أن يستفاد منها أنه كان في ذلك الوقت نبيًا، وإذا علمنا أنه كان في وقت مبكر من شبابه، فيمكن استنتاج أن بعثته كانت في وقت مبكر من الشباب. وكانت هذه المواجهة مع عمه هي البداية، حيث بدأ بمخاطبة مرتكزاته العقلية، كشخص أو كمجتمع؛ بأن الذي يُعبد لا بد أن يكون قادرا على التلقي بالاستماع والإبصار وأن يكون مستعدًا للإجابة والإغناء بقضاء حاجات عباده! أما إذا لم يكن سامعًا للأصوات فلماذا يُنادى؟ وإذا لم يكن بصيرًا بالحاجات فلماذا يُدعى؟ بل حتى لو كان سامعًا وبصيرًا لكنه عاجز عن تلبية تلك الحاجات فلا يغني عنك شيئا فما هي فائدة ندائه؟ وما فائدة سماعه؟ وبعدها انتقل من الدائرة الخاصة بعمه وأسرته إلى المجتمع، حيث كان المجتمع يعبد الشمس والقمر والكواكب، واتخذ طريقةً يمكن تسميتها بإسقاط الفروض الخاطئة والانتهاء إلى الفرض الصحيح، وهذا ما يمارسه دارسو الهندسة في حل المسائل الهندسية فيأتي بفرض معين ويسقطه ليثبت الفرض الآخر. وهذا ما عمله نبي الله إبراهيم مع قومه فقد كانوا يعبدون الزهرة وجاء وقال هذا ربي فلما أفل قال: لا أحب الآفلين. فربي يرعاني ويحيط بي ويعتني بي فإذا غاب من يرعاني. فلما رأى القمر بازغًا بعده قال: هذا ربي. فلما أفل قال نفس الشيء. فلما طلعت الشمس قال هذا هو الإله المطلوب فهو كبير وضخم وبالتالي فهذا أكثرهم قدرة. وبالتالي لما غاب عن الأنظار قال لهم هذا أيضًا ليس ربًّا لأن من شأن الرب أن يرعى مربوبيه وأن يعتني برعيته فلا يصح أن يغيب عنهم ويهملهم. وبالتالي وجه وجهه للذي فطر السماوات والأرض وأخبرهم عن الله عز وجل. ثم تقدم خطوة ثالثة وهي تعريف الناس بحجم وحقيقة هذه الأصنام وأنها لا تنفع نفسها فضلا عن تضر غيرها، عندما جاء في أحد أعيادهم وقد خرجوا للاحتفال وحطم الأصنام المنصوبة وجعل الفأس في عنق الصنم الأكبر، فلما رجعوا ورأوا تلك المجزرة. قالوا: من فعل هذا بآلهتنا؟ قالوا: فقالوا لقد رأينا إبراهيم يستهزئ بآلهتنا وينتقصها فأحضروه وسألوه ءأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم؟ ولم يقل: لم أفعل! وإلا لو قال ذلك لكانت كذبة واضحة، ولكنه أجاب بجواب فيه تورية واحتجاج، فقال: بل فعله كبيرهم هذا فاسألوهم إن كانوا ينطقون. وفي تفسير المعصومين عليهم السلام أنهم قالوا يوجد تقديم وتأخير فمعنى الآية هكذا: بل فعله كبيرهم هذا إن كانوا ينطقون. فإن كان يتأتى منهم فعل الكلام والحديث والتفاعل فقد فعلوا التكسير والتحطيم. كيف نعرف إن ينطقون أم لا؟ قال: سلوهم. فلا ينطقون وما داموا لا ينطقون فلا يمكن أن يفعلوا. هذا التقدير يقي نبي الله إبراهيم من القول الصريح بمخالفة الواقع وهذا ما يسمى بالتورية وهي تعليق الأمر على شرط. إن كانوا ينطقون فقد فعله كبيرهم لكن في الواقع هم لا ينطقون.

--> 160 مريم: 45